مجمع إرادة للصحة النفسية بالرياض
مجمع إرادة والصحة النفسية بالرياض
 

 
الصحة النفسية

 

     رسالة المجمع
   الدخول والزيارات
    موضوعات اجتماعية
    إدارة التغذية
    أقسام مجمع إرادة
   مقالات علميـــة
    إدارة التدريب
    البرامج العلاجية
    البرامج الوقائية


 
 

«نساء مروجات» .. أشباه الرجال ضيعونا!

 


امرأة داخل السجن قادتها ظروفها المادية إلى ترويج المخدرات

 

الخبر، تحقيق - عبير البراهيم
 

"في مجتمعنا لا تستطيع أن تدخل المرأة عالم الترويج دون أن يكون لها من محارمها من هو مدمن أو مروج".. بهذه العبارة تحدثت "أمل الصافي" الأخصائية النفسية في سجن النساء في الدمام، وقالت: نبدأ بالوقوف على واقع المروجات في عالم المخدرات والتي تدخله النساء من دوافع أسرية وذاتية واجتماعية، فعلى الرغم من تأكيد سجن إصلاحية الدمام على قلة وجود نماذج من المواطنات ممن يدخلن عالم الترويج للمخدرات، فالغالبية العظمى هن من الأجنبيات، إلاّ أن المرأة في المجتمع حتى في ممارستها لطريق الانحراف رهينة "المَحرم" الذي قد يقودها إلى طريق الأمان، وربما يكون وسيلتها الوحيدة لطوق الجريمة والوقوف في فخ القضبان.
جهل وفقر وضياع
وتوضح "أمل الصافي" أن غالبية من يدخلن السجن في قضايا الترويج يكن منساقات في ذلك الطريق، إما بصحبة زوج وهو العامل الأكبر المؤثر، أو أخ أو أب أو ربما أحد الأقارب الذي يدخلها في ذلك العالم؛ لتنتقي زوجاً من هذا المحيط، فتكمل معه مشوار ترويج المخدرات، حيث يسود في محيطهن الجهل والفقر والضياع الذي لا يترك أثره فقط على المروجين ذاتهم، بل يطال الأبناء الصغار الذي يزودون بتدريب "دس" المخدرات في صفوف المدارس بين الطلاب والطالبات، فمن هنا يبدأ الانحراف والخطر الحقيقي على المجتمع الذي يعول كثيراً على الأجيال الجديدة.

 

أمل الصافي: المرأة لا تدخل عالم المخدرات إلاّ إذا كان أحد أقاربها مدمناً

حياة شرسة وصعبة

كانت "ه. د" - متهمة في سجن النساء في الدمام-، كأي امرأة تحلم بحياة مستقرة وآمنة في ظل منزل صغير يجمعها مع زوجها المريض وابنتها التي كانت تعني لها كل شيء في الحياة، لكنها وجدت نفسها وهي المرأة الأربعينية أمام مخالب حياة شرسة وصعبة من المتطلبات التي لا تنتهي، والاحتياجات التي تعتبر أساس الحياة لكنها غير متوفرة لها، وهي زوجة رجل انتكس في السنوات الأخيرة صحياً ليصاب باختلالات نفسية، فيفقد على إثرها أي اتزان يخوله القيام بشؤون أسرته، فترك العمل وبقي في البيت، لتجد نفسها أمام مسؤولية كبيرة في محاولة الحفاظ على استمرار هذا البيت، فلجأت إلى أسرة زوجها لكن حالهم لم يكن بأفضل من حالها كثيراً، حتى قررت أن تحصل على وظيفة لتعيش منها، فكانت تجمع الثياب المستعملة وتقوم بتجديدها وتنظيفها ثم بيعها على الأسر الفقيرة في الحي بسعر قليل، إلاّ أن ذلك العمل لم يكن يدر عليها إلا القليل، مقارنةً بالالتزامات الكبيرة التي تتحملها، والتي منها إيجار شقة لا يقل عن ثمانية آلاف ريال في السنة، بالإضافة إلى التزامات الطعام والشراب والكهرباء والماء ومصاريف مدرسة ابنتها، وكذلك مصروف السائق الذي كان يتولى توصيل ابنتها إلى المدرسة.

سجينة: عدت إلى السجن ست مرات بسبب ضغوط «التجار»

سهام قاتلة
ومع صعوبة المعيشة تلك لم تجد "ه. د" خياراً إلاّ أن تلتحق في بيع "الغاط" وهو نوع من أنواع المخدرات، حيث كان يحيطها مجموعة من الصديقات يحاولن أن دفعها لبيعه، مغرينها بالمدخول المادي الذي ستحصل عليه، حتى وجدت نفسها ترضخ لهذا الطريق، وبدأت في الترويج له لمدة تسعة أشهر، حصلت خلالها على أكثر من 350 ريالاً في اليوم الواحد، وهو مبلغ لم يكن يضاهي المبلغ الذي كانت تحصل عليه أثناء بيعها للملابس المستعملة، والذي لم يكن يتجاوز 150 ريالاً في الشهر، حيث كانت تتوافد عليها الزبائن من الرجال والنساء في بيتها لشراء "الغاط"، ذلك الطريق الأسود لم يستمر كثيراً، فسرعان ما قبض عليها لتدخل السجن ويحكم عليها بالجلد والسجن لمدة ثلاث سنوات، فتتشرد أسرتها، حيث يبقى زوجها المريض نفسياً وحيداً دون مأوى ورعاية صحية، وتعيش ابنتها البالغة من العمر 14 سنة ذات المصير، حيث التقطها أسرة صديقة يبقونها لديهم، فلم يعد يربط السجينة بابنتها سوى زيارات قليلة جداً في نهاية كل أسبوع، تأتي فيها الابنة لتبكي ضياع الأم ولتطلق أسئلتها والتي تُمثل سهاماً قاتلة في أحشاء السجينة: لماذا فعلتِ ذلك؟، ماذا أقول لصديقاتي في المدرسة؟، ولماذا تركتني وحيدة في بيت أسرة لا صلة لنا بهم؟.
صوت مخنوق
تقول "ه. د" بصوت مخنوق: الثمن كان غالياً جداً، والسجن هو قبر الدنيا، أنا نادمة وقضيت نصف محكوميتي وشملني العفو وسأخرج بعد شهر، لكنني لن أعود إلى هذا المكان أبداً، مضيفةً أنها تعلمت الخياطة في السجن وستغير حياتها من أجل ابنتها، لتصمت قليلاً وتغرق في بكاء طويل حتى تمسح يديها عرض دموعها، متسائلةً: هل المجتمع الخارجي سيساعدني على العمل؟.
ست مرات سجناً
وأمام ذلك الندم نقف عند قصة السجينة "ل. م" والتي دخلت عالم الترويج منذ كانت صغيرة قبل سن العشرين، وقد تحدثت عن عالم الترويج للمخدرات والذي كان مليئاً بالكثير من الأحداث، وهي المرأة التي تخطت الخمسين من عمرها، حيث دخلت السجن في قضايا الترويج لأكثر من ست مرات، كانت في كل مرة يحكم عليها ثم تقضي مدة السجن وتخرج لتعود إلى طريق الترويج، بسبب ظروف الفقر التي كانت تعيش فيها، حيث إن تجار المخدرات يعودون للتعاون معها حالما يعلمون بخروجها من السجن، وقبض عليها في المرة الأولى وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات، ثم تلا ذلك الحكم عليها بالسجن خمس سنوات، ثم قبض عليها للمرة الثالثة وحكم عليها بسنتين، ثم خرجت وعادت إلى طريق الترويج مجدداً في ظل أسرتها التي تتبنى أيضاً ترويج المخدرات، فشكلت الأسرة مسانداً لها ثم دخلت السجن للمرة الرابعة والخامسة ثم السادسة، والتي حكم عليها هذه المرة بالسجن عشر سنوات قضت منهما ثلاث سنوات، عاش خلالها أبناؤها لدى أسرة لا يمتون لهم بصلة وظروفهم المادية أيضاً صعبة.
قلة الحيلة
وبالرغم من عدد السنوات الطويلة التي قضتها "ل. م" في السجن الدائم، إلا أنها لا تشعر بالندم، معللةً ذلك بقلة الحيلة في الحصول على وظيفة بطريقة غير مقنعة، ويتضح من حكايتها مدى تأثير البيئة والانخراط في الترويج منذ الصغر، والذي يؤصل الخطيئة في نفس المروجة حتى تعتاد عليه فيعتاد عليها دون أي شعور بالذنب، وعلى الرغم من اعتياد السجينة على طريق الإدمان، إلا أنها تلتحق بأشغال التنظيف في السجن حتى تحصل على المال لترسله لأسرتها كنوع من المساعدة.
بيئة يسودها الجهل
وتؤكد الأخصائية النفسية "أمل الصافي" أنه غالباً حينما يكون الأب والأم سجينين، فإن ذلك يعني وجود بيئة يسودها الجهل، حيث إن غالبية الأسرة تكون غير متعلمة، فقد يصل الأبناء إلى المرحلة الثانوية ثم لا يكملوا دراستهم، وربما ذلك ما دفع بعض المهتمين والقائمين على شؤون السجناء بتأسيس "برنامج رعاية السجناء"، والذي له دور كبير في متابعة السجين وأسرته، ابتداءً من دخوله لقضاء المحكومية وحتى خروجه، ويقدم المساعدة للكثير من أبناء السجينات، ومن ذلك مساعدة ابن سجينة طالت مدة محكوميتها، فقام البرنامج بإلحاق ابن السجينة في معهد الكتروني تم دفع رسوم دراسته كاملة، والتي وصلت إلى 37 ألف ريال، كذلك ابنتها التي تم إدخالها في معهد التمريض وقد تم دفع مبلغ الرسوم لدخولها، مضيفةً أنه على الرغم من الدور الكبير الذي يقوم به برنامج رعاية السجناء إلاّ أن "ذلك ليس كافياً، فلابد من إيجاد مؤسسات تحتوي السجين بعد خروجه، حتى لا يعود إلى طريق الانحراف والترويج مرة أخرى، وذلك على غرار مركز الأميرة جواهر لمشاعل الخير، والذي يسعى لاحتواء السجينة بتوظيفها عبر الأعمال اليدوية التي تعلمتها أثناء فترة سجنها، فتقوم ببيع منتجاتهن.
مساعدة السجينة
وقالت "أمل الصافي": إن الظروف المساعدة لانجراف المرأة في طريق الترويج تتمثل في الجهل والحالة المادية الصعبة والفقر الشديد، الذي قد يكون سائداً في الأسرة بأكملها وليس فقط بأفراد أسرتها، خاصةً مع ضعف ما تقدمه الجمعيات الخيرية، وربما ذلك ما يدفع لعودة المروجة من جديد لطريق الإدمان حتى بعد خروجها، موضحةً الدور الذي تقوم به إدارة السجن في مساعدة السجينة على التكيف النفسي، والحديث معها بشكل دائم لقبول وضعها والتعايش معه، وتعميق مبدأ تحمل مسؤولية الخطأ من خلال الالتحاق بالبرامج التي تعد في السجن، والتي من أهمها العمل في مشغل السجن، والذي يدر على السجينة مبالغ مالية تستفيد منها في حال بيعت تلك الأعمال في المعارض، كما أن الإدارة وضعت فكرة التحاق السجينة بعاملات النظافة والتي تتقاضى عليه أجراً أيضاً من أجل تعويدهم على العمل، وكذلك المساعدة في توزيع وجبات النزيلات، والتي يتقاضون عليها أجراً بسيطاً، لكنه يوثق من مفهوم كسب الحلال، بالإضافة إلى المبلغ الذي تصرفه الدولة لهم والذي يصل إلى 150 ريالاً شهرياً لكل سجينة.
فراق الأبناء
أما عن التفكك الأسري الذي تقابله السجينة بدخولها السجن فتعلق "أمل الصافي" بقصة الأم والأب اللذين دخلا السجن في قضية مخدرات، وكان لديهم ثلاثة أبناء تقاسمتهم بعض الأسر، حتى أصبح كل ابن في منطقة، فترك الأبناء الدراسة، بل أن أحداهم كان يجلس لدى جده وقد تشاجر معه يوماً بسبب سلوكه غير الجيد، فدفع الابن الجد وسقط ونقل إلى المستشفى حتى توفي، فاتسعت دائرة ضياع الابن، حيث لم يجد أحدا يحتويه بعد جده، وربما ذلك ما يدفع بعض السجينات إلى الالتحاق ببعض الأعمال في السجن كالنظافة والخياطة، لتجميع مبلغ مالي وإرساله إلى أبنائها خارج السجن، وربما أخذت منه ثمن "شحن" بطاقة الهاتف، حتى يتسنى لها محادثة أبنائها عبر الهاتف، وربما عانى البعض منهن حتى أنها لا تستطيع النوم، فتطلب حبوبا منومة، إلاّ أن تلك الحالات تحل بالحديث معهن ومعرفة رؤيتهن الجديدة للحياة والخروج بالسجينة إلى التمسك بالأمل، مشددةً على ضرورة أن تتوسع دائرة الإرشاد من قبل السجن مع المدارس وذلك برؤية السجينات وكيف يعشن؟، حتى تتعظ الطالبات من رؤية المروجات ومصيرهن داخل السجن.

 

 
   

جريدة الرياضالاثنين 30 ذي الحجة 1431 هـ - 6 ديسمبر 2010م - العدد 15505

   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع إرادة  للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2021