مجمع إرادة للصحة النفسية بالرياض
مجمع إرادة والصحة النفسية بالرياض
 

 
الصحة النفسية

 

     رسالة المجمع
   الدخول والزيارات
    موضوعات اجتماعية
    إدارة التغذية
    أقسام مجمع إرادة
   مقالات علميـــة
    إدارة التدريب
    البرامج العلاجية
    البرامج الوقائية


 
 

«الوسواس القهري» أو أن تتأكد من نظافة الفناجين ورصفها في الخزانة


يستيقط جابر صباحاً على صوت المنبه الذي يرن معلناً الساعة الثامنة و25 دقيقة. يضغط ككل صباح، زر الغفوة ويستأنف ما يشبه النوم لخمس دقائق ثمينة أخرى. يوقف رنين المنبه مرة أخرى، يجلس على حافة السرير ليتأكد من ترتيب الأغراض المعتادة على الطاولة المجاورة: المنبه وعلبة المحارم ودواء الصداع وآخر للقلق. يرتدي خف النوم المركون بترتيب مواز لحافة السرير، ويقوم متجهاً أولاً نحو المطبخ ليدير آلة القهوة ثم يذهب إلى الحمام ليعيد خطواته اليومية ويرتدي ثيابه المحضرة منذ الليلة السابقة بدقة. يحمل قهوته، ويتأكد أن هاتفه الخلوي في جيبه الأيمن بجوار سماعات الأذن، وعلبة السجائر وبداخلها الولاعة في الأيسر فوق حاملة مفاتيحه، بينما تبقى حافظة النقود في الجيب الخلفي.

يتّجه إلى عمله في بناء قريب بعد أن يلقي التحية على بواب البناية، ســالكاً الطريق نفسه ملتزماً الجانب عينه من الرصيف في كل مرة. وما إن يصل المكتب حتى يفرغ جيوبه مرتباً محتوياتها على زاوية جانبية من مكتبه ويلقي نظرة على المهمات التي رتبها على اللوح الأبيض المجاور قبل يوم.

تستمر حياة الشاب ابن التاسعة والعشرين على المنوال نفسه الدقيق والروتيني والمخطط له سلفاً، بحيث تكون كل فقرات يومه معروفة سلفاً. فيوم الاثنين للغسيل، والثلثاء لأخذ القمصان المغسولة إلى المصبغة ليستعيدها مكوية يوم الخميس, ثم ترتب في خزانة الملابس وفق تدرج ألوان معين وثابت. أما يوم السبت، فهو مخصص لتنظيف الشقة الصغيرة والتأكد من أن كل الفناجين نظيفة تماماً ومصفوفة في الخزانة متخذة الاتجاه ذاته لجهة مقابضها الدقيقة.

يعي جابر وكثر ممن يعيشون حالات مشابهة، أن الحالة التي «يعانون» منها تسمى الوسواس القهري أو Obsessive compulsive disorder، والتي تعرف اختصاراً بالـOCD، وهي حالة تقول الدراسات أنها تطاول 3 و4 في المئة من الناس بدرجات مختلفة كسلوك جبري يلزمهم بممارسات معينة تقيّد حياتهم اليومية في دقائقها وتفاصيلها.

الشاب الجامعي الذي يعي حالته، عمل سابقاً على التخفيف منها إرادياً ولا يعتبر ما يعيشه معاناة. بالعكس، فهو يجد في نظامه هذا راحة خاصة بعدما تقبل الوضع وتأقلم معه. فغالباً ما يبتسم بمكر مستمتعاً خفية بسؤال زملائه المندهشين حول من استعمل أحد أقلامه في غيابه. وعلى رغم أن من استعار القلم أعاده إلى مكانه على مكتب جابر بدقة، لكن ما لا يعلمه هؤلاء الزملاء أن جابر يعيد دوماً غطاء أقلامه على نحو يطابق فيه الجزء البلاستيكي المخصص لشبك القلم في جيب القميص، بحيث يمس رمز العلامة التجارية المحفورة على أحد جوانب القلم.

جسّدت هذه حالة الوسواس القهري في مسلسل تلفزيوني أميركي من صنف الدراما الكوميدية تحت اسم «Monk»، يتحدث عن شخصية «أدريان مونك» المحقق الذكي المساعد في تحقيقات الشرطة الأميركية والمصاب بحالة متقدمة من الوسواس القهري.

يشرح المسلسل الذي يقوم ببطولته الممثل الأميركي من أصل لبناني طوني شلهوب، في إطار قصة جريمة جديدة يعمل مونك على حلها في كل حلقة من حلقاته، العادات اليومية الغريبة التي يلتزم بها والتي تثير سخرية رفاقه على رغم تمتعه باحترامهم الشديد لما يتحلى به من ذكاء وأدب تستثنى منه الحالات التي يجبره فيها وسواسه القهري على التصرف بطريقة تبدو غير لائقة.

يعتقد جابر أن للحالة التي يعيشها أسباباً وراثية وجينية وفق ما قرأه خلال بحثه عن هذه الحالة التي يفضل ألا يسميها بالمرض. كما يربط بين التربية المنزلية التي نشأ عليها وحالته اليوم. فالنظافة والترتيب المبالغ فيهما أثرا أشد التأثير في سلوكياته الراهنة، ويروي كيف أن بدء نضوجه في فترة الشباب ترافق مع حالة صعبة من الأحكام الضمنية السلبية تجاه منازل رفاقه الذين كان يزورهم حيث لم يكن مستوى النظافة والترتيب يرقى إلى ما اعتاد عليه في حيزه الشخصي. وبعد معاناة وقلق، استطاع الشاب أن يفهم حقيقة وضعه الخاص وضرورة عدم تعميم ما يرتاح إليه شخصياً على من هم حوله، ما سهل عليه تقبّل تلك الحالات المختلفة، مدركاً أنها هي التي تعبر عن الوضع الطبيعي العام بعكس حالته هو.

وتقول نور بيضون، الأخصائية في الدعم النفسي الاجتماعي، أن الوسواس القهري يرتبط أحياناً بتشوهات في القشرة الأمامية للدماغ من جهة، وبعوامل وراثية بيولوجية ونفسية، كما أن للوالدين علاقة مباشرة من جهة أخرى. وتشتد ممارسات الوسواس القهري في فترات التوتر، وما يميزه وفق بيضون أن المصاب به يعي عادة هذا الأمر، لذا على صعيد العلاج السلوكي - المعرفي يفيد جداً البحث في الأفكار المكتسبة من عادات وتقاليد، لا سيما المرتبطة بالنظافة والترتيب وما شابه. فالتوتر يدفع المصاب إلى وسيلة تفريغ بممارسة جسدية تشعره بالراحة والاطمئنان، أما التدخل الدوائي فيكون في حالات متقدمة تخرج فيها الممارسة الوسواسية عن الوعي والسيطرة. وفي بعض الدول الغربية، توجد حالات محصورة لتدخلات جراحية في الحالات شديدة التقدم.

وتعتقد الشابة سليمى خالد التي تعاني نوعاً من الوسواس القهري، أن هذه الحالة المنتشرة جداً في العالم العربي، لا يتم تسليط الضوء الكافي عليها بسبب ما تقول أنه «مفاهيم متخلفة تربط هذا النوع من الحالات والاضطرابات النفسية بالسلامة العقلية في طريقة شديدة السلبية قد تدفع المعنيين إلى التقوقع وتجنّب الاختلاط الاجتماعي». وتطالب بأن يعمل أكثر على نشر الوعي المرتبط بهذا الأمر، بخاصة ضرورة إعلام الأهل والمربين بدورهم الأساسي في التقليل من انتشار هذه الحالات وتناقلها من جيل إلى آخر.

 

 

جريدة الحياهالإثنين 30 محرم 1438 هـ- 31 أكتوبر 2016م

   

 
جميع الحقوق محفوظة لمجمع الأمل ل

مكتبة الفيديو

الدخول والزيارات 

حجز موعد بالعيادات الخارجية

 مواقع ذات علاقة

اتصل بنـا

©

جميع الحقوق محفوظة لمجمع إرادة  للصحة النفسية بالرياض - إدارة الصحة الإلكترونية  2003 - 2021